أكبر سحب من مخزونات النفط الإستراتيجية في التاريخ بعد أزمة مضيق هرمز


الدول الكبرى تضخ 400 مليون برميل من النفط لتهدئة الأسواق العالمية

الجمعة 13 مارس 2026 | 02:43 مساءً
أكبر سحب من مخزونات النفط الإستراتيجية في التاريخ بعد أزمة مضيق هرمز
أكبر سحب من مخزونات النفط الإستراتيجية في التاريخ بعد أزمة مضيق هرمز
بدرية الودعاني

يشهد سوق النفط العالمي حالة من التوتر غير المسبوق في ظل تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتأثر أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ومع توقف حركة عدد من ناقلات النفط نتيجة الهجمات على السفن والبنية التحتية للطاقة في الخليج، تحركت الدول الصناعية الكبرى بشكل سريع لمحاولة احتواء الأزمة ومنع انفلات الأسعار في الأسواق العالمية.

وفي خطوة وصفت بأنها الأكبر منذ تأسيس نظام الطوارئ النفطي قبل أكثر من نصف قرن، أعلنت وكالة الطاقة الدولية إطلاق أكبر عملية سحب من مخزونات النفط الإستراتيجية في تاريخها، في محاولة لتهدئة الأسواق ومواجهة تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

فقد تعهدت الدول الأعضاء في الوكالة يوم الأربعاء الموافق 11 مارس/آذار 2026 بإطلاق نحو 400 مليون برميل من النفط في الأسواق العالمية، وهو ما يعادل تقريبًا نحو عشرين يومًا من الإمدادات المعتادة التي تمر عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تقترب فيه أسعار النفط العالمية من حاجز 100 دولار للبرميل، ما أثار مخاوف واسعة من تأثيرات اقتصادية على النمو العالمي والتضخم في العديد من الدول.

اضطرابات مضيق هرمز وتأثيرها في سوق النفط

ممر حيوي للطاقة العالمية

يُعد مضيق هرمز واحدًا من أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط والغاز الطبيعي، إذ يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية يوميًا.

ويربط المضيق بين الخليج العربي وبحر العرب والمحيط الهندي، ويُستخدم لنقل النفط من كبار المنتجين في المنطقة مثل السعودية و**الإمارات** و**الكويت** و**العراق**.

ومع تصاعد التوترات العسكرية والهجمات على السفن والبنية التحتية للطاقة في الخليج، توقفت حركة عدد من ناقلات النفط في المضيق، ما أثار قلقًا واسعًا في أسواق الطاقة العالمية.

فأي اضطراب في هذا الممر الحيوي يؤدي عادة إلى ارتفاع سريع في أسعار النفط نتيجة المخاوف من نقص الإمدادات.

أكبر عملية سحب من مخزونات النفط الإستراتيجية

400 مليون برميل لدعم الأسواق

استجابة للأزمة المتصاعدة، قررت وكالة الطاقة الدولية إطلاق ما يقارب 400 مليون برميل من النفط من المخزونات الإستراتيجية للدول الأعضاء.

ويمثل هذا القرار أكبر عملية سحب من الاحتياطيات النفطية في تاريخ الوكالة، متجاوزًا بكثير عمليات السحب التي جرت في عام 2022 عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، والتي بلغت آنذاك نحو 182 مليون برميل.

وتهدف هذه الخطوة إلى:

تعويض جزء من الإمدادات التي تعطل مرورها عبر مضيق هرمز

تهدئة تقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية

طمأنة الأسواق بأن الإمدادات ستظل متوفرة

الحد من ارتفاع أسعار الوقود للمستهلكين

الدول المشاركة في عملية السحب

حتى الآن أعلنت ثماني دول عن سحب ما يقارب 336.56 مليون برميل من مخزوناتها النفطية الإستراتيجية.

الولايات المتحدة

تتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول المشاركة في عملية السحب، حيث أعلنت الإفراج عن نحو 172 مليون برميل من احتياطيها الإستراتيجي.

ويمثل الاحتياطي النفطي الأميركي أحد أكبر المخزونات الإستراتيجية في العالم، ويُخزن في كهوف ملحية ضخمة في عدة ولايات.

وقد أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الهدف من هذه الخطوة هو خفض أسعار الوقود للمستهلكين الأميركيين ومنع ارتفاع تكاليف الطاقة.

كما أشار إلى أن عملية السحب ستبدأ خلال الأسبوع المقبل وقد تستمر لمدة 120 يومًا.

اليابان

تأتي اليابان في المرتبة الثانية ضمن الدول المشاركة، حيث أعلنت الإفراج عن 80 مليون برميل من مخزونها النفطي الإستراتيجي.

وتعتمد اليابان بشكل كبير على واردات النفط من الشرق الأوسط، ما يجعلها أكثر حساسية لأي اضطرابات في المنطقة.

كوريا الجنوبية

أعلنت كوريا الجنوبية سحب نحو 22.46 مليون برميل من مخزوناتها النفطية، وهو أكبر سحب في تاريخها.

وتعد كوريا الجنوبية من أكبر الدول الصناعية في آسيا، وتعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة لتشغيل اقتصادها.

ألمانيا

قررت ألمانيا الإفراج عن نحو 19.7 مليون برميل من احتياطياتها النفطية لدعم الأسواق الأوروبية.

فرنسا

أعلنت فرنسا سحب نحو 14.5 مليون برميل من مخزوناتها الإستراتيجية.

وقد وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون القرار بأنه 'ضروري لضمان استقرار السوق وزيادة الإنتاج العالمي'.

المملكة المتحدة

أعلنت المملكة المتحدة الإفراج عن 13.5 مليون برميل من احتياطياتها النفطية.

إيطاليا وهولندا

كما أعلنت كل من إيطاليا و**هولندا** سحب 9 ملايين برميل و5.4 ملايين برميل على التوالي.

دول أخرى قد تنضم إلى المبادرة

بالإضافة إلى الدول الثماني المشاركة، أعلنت كل من النمسا و**إسبانيا** استجابتهما لطلب وكالة الطاقة الدولية بالسحب من المخزون الإستراتيجي.

لكن لم يتم الإعلان بعد عن الكميات التي ستسهم بها كل دولة.

الهند ترفض المشاركة في عملية السحب

في المقابل، أعلنت الهند رفضها الانضمام إلى مبادرة السحب من المخزونات الإستراتيجية في الوقت الحالي.

ويرجع ذلك إلى امتلاك الهند احتياطيات نفطية توفر لها قدرًا من الأمان في مواجهة أي اضطرابات في الإمدادات.

وتحتفظ الهند بثلاثة مواقع لتخزين النفط الإستراتيجي بسعة إجمالية تبلغ نحو 5.33 مليون طن، تحتوي حاليًا على حوالي 4 ملايين طن.

استفادة الهند من النفط الروسي

من ناحية أخرى، استفادت المصافي الهندية من شراء شحنات النفط الروسي التي ظلت عالقة في البحر بعد حصول نيودلهي على إعفاء مؤقت من العقوبات الأميركية لمدة ثلاثين يومًا.

ويأتي ذلك في ظل استمرار تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا الذي أعاد تشكيل خريطة تجارة الطاقة العالمية.

كما حافظت الحكومة الهندية على صادرات الوقود دون قيود بفضل توفر مخزون كافٍ من البنزين والديزل ووقود الطائرات.

مخزونات النفط الإستراتيجية.. خط الدفاع الأول للأسواق

تأسست منظومة مخزونات النفط الإستراتيجية بعد أزمة حظر النفط العربي عام 1973، عندما أدركت الدول الصناعية أهمية الاحتفاظ باحتياطيات طارئة لمواجهة صدمات الإمدادات.

ومنذ تأسيس وكالة الطاقة الدولية في عام 1974، أصبحت هذه المخزونات أداة رئيسة لتحقيق الاستقرار في الأسواق.

وقبل عملية السحب الحالية، كانت الدول الأعضاء تمتلك أكثر من 1.2 مليار برميل من النفط في المخزونات الحكومية، إضافة إلى نحو 600 مليون برميل تحتفظ بها شركات النفط بموجب التزامات حكومية.

عمليات السحب السابقة من المخزون الإستراتيجي

شهد التاريخ الحديث عدة عمليات سحب من الاحتياطيات النفطية الإستراتيجية لمواجهة أزمات الطاقة العالمية.

وكانت أبرز هذه العمليات خلال:

حرب الخليج

إعصار كاترينا عام 2005

الحرب الأهلية الليبية عام 2011

الغزو الروسي لأوكرانيا

لكن عملية السحب الحالية تعد الأكبر على الإطلاق من حيث الكميات.

هل تنجح هذه الخطوة في تهدئة الأسواق؟

يرى خبراء الطاقة أن السحب من المخزون الإستراتيجي يمكن أن يساهم في تهدئة الأسواق على المدى القصير، لكنه لا يمثل حلًا دائمًا للأزمة.

فالنفط يمر بسلسلة طويلة من العمليات قبل وصوله إلى المستهلك، تبدأ من الإنتاج في الحقول النفطية، ثم التكرير في المصافي، وبعد ذلك النقل عبر الأنابيب أو الناقلات إلى الأسواق العالمية.

وقد تستغرق هذه العمليات أسابيع عدة قبل أن تنعكس على الأسعار في محطات الوقود.

مستقبل سوق النفط في ظل التوترات الجيوسياسية

تبقى التطورات في مضيق هرمز العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل أسعار النفط خلال الفترة المقبلة.

فإذا استمرت التوترات وتعطل تدفق الإمدادات عبر هذا الممر الحيوي، فقد تواجه الأسواق العالمية ضغوطًا إضافية قد تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.

أما إذا نجحت الجهود الدبلوماسية في إعادة فتح المضيق وعودة تدفقات النفط والغاز بشكل طبيعي، فقد تنخفض الأسعار تدريجيًا مع عودة التوازن بين العرض والطلب.

خلاصة التقرير

يمثل قرار وكالة الطاقة الدولية إطلاق أكبر عملية سحب من مخزونات النفط الإستراتيجية خطوة غير مسبوقة تهدف إلى حماية الاقتصاد العالمي من صدمة طاقة جديدة.

ورغم أن هذه الخطوة قد تساعد على تهدئة الأسواق مؤقتًا، فإن الحل النهائي للأزمة يظل مرتبطًا بعودة الاستقرار إلى منطقة الخليج وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة ناقلات النفط.

وفي ظل استمرار التوترات الجيوسياسية، يبقى سوق الطاقة العالمي أمام مرحلة حساسة قد تحدد اتجاه أسعار النفط والاقتصاد العالمي خلال الأشهر المقبلة.

أكبر سحب من مخزونات النفط الإستراتيجية في التاريخ بعد أزمة مضيق هرمز
النفط
سوق النفط
النفط

اقرأ أيضا