الدرعية وتأسيس الدولة السعودية من حجر اليمامة إلى رؤية 2030


تاريخ يصنع حاضر المواطن السعودي

الاحد 22 فبراير 2026 | 03:42 مساءً
"الدرعية" ترسي عقد تطوير دار الأوبرا الملكية
"الدرعية" ترسي عقد تطوير دار الأوبرا الملكية
بدرية الودعاني

حين ينظر المواطن السعودي اليوم إلى ما تحقق من أمن واستقرار وتنمية اقتصادية متسارعة، يصعب فصل هذا الواقع عن جذوره العميقة في قلب الجزيرة العربية. فالتاريخ السعودي لم يكن مجرد سرد لأحداث متتابعة، بل مسيرة بناء طويلة بدأت من استقرار القبائل في وادي حنيفة، مرورًا بتأسيس الدرعية، ثم قيام الدول السعودية المتعاقبة، وصولًا إلى إعلان توحيد المملكة العربية السعودية، وانطلاق مرحلة التحول الوطني ضمن رؤية السعودية 2030.

إن فهم هذه المسيرة يمنح المواطن إدراكًا أعمق لمعنى الوحدة الوطنية، ويعزز وعيه بدور الدولة في تحقيق التوازن بين الأصالة والتحديث، وبين الثوابت الدينية والانفتاح الاقتصادي العالمي.

حجر اليمامة وبدايات الاستقرار في وسط الجزيرة

شهدت منطقة وسط الجزيرة العربية تحولات مبكرة عندما قدمت قبيلة بني حنيفة من الحجاز واستقرت على ضفاف وادي حنيفة بقيادة عبيد بن ثعلبة حوالي عام 430م. واختار هذا القائد موقع حجر اليمامة مقرًا دائمًا لعشيرته، لتبدأ مرحلة استقرار سياسي واجتماعي كان له أثر بالغ في تاريخ المنطقة.

تحولت حجر اليمامة إلى مركز حضاري بارز، وتميزت بتنظيمها الاجتماعي وازدهارها الزراعي والتجاري. وتولى قيادتها في مرحلة مهمة ثمامة بن أثال الحنفي، الذي ارتبط اسمه بقصة شهيرة في التاريخ الإسلامي، ما يعكس عمق الحضور السياسي والديني للمنطقة في تلك الحقبة.

لقد شكل هذا الاستقرار المبكر قاعدة عمرانية واجتماعية مهدت لقيام كيانات سياسية لاحقة، كان أبرزها الدرعية.

تأسيس الدرعية ونقطة التحول التاريخية

في عام 850هـ الموافق 1446م أسس مانع بن ربيعة المريدي مدينة الدرعية، التي ستصبح لاحقًا حجر الأساس لقيام الدولة السعودية الأولى. ويُعد مؤسسها الجد الثاني عشر للملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود.

لم يكن تأسيس الدرعية حدثًا عمرانيًا فحسب، بل كان تأسيسًا لكيان سياسي منظم. فقد تميزت بموقعها الاستراتيجي على طرق التجارة بين شمال الجزيرة العربية وجنوبها، مما منحها أهمية اقتصادية مبكرة وساهم في تعزيز نفوذها.

مع مرور الوقت أصبحت الدرعية مركزًا حضاريًا متكاملًا، يجمع بين النشاط التجاري والاستقرار الأمني والتنظيم الإداري، وهو ما هيأها لتكون عاصمة لدولة ناشئة.

الدرعية ونموذج دولة المدينة

برزت الدرعية كنموذج متطور لدولة المدينة، وهو المفهوم الذي عرفته المنطقة منذ قيام مجتمع المدينة المنورة في صدر الإسلام. وتميزت الدرعية بتطبيق مبادئ الحكم المنظم، وتحقيق التوازن بين السلطة السياسية والموارد الاقتصادية، إضافة إلى توفير الأمن والاستقرار الداخلي.

هذا النموذج السياسي منح السكان شعورًا بالثقة والاستقرار، ما جذب العلماء والتجار وأصحاب الحرف، فتحولت المدينة إلى مركز إشعاع فكري وثقافي.

قيام الدولة السعودية الأولى وعاصمتها الدرعية

شهد عام 1727م نقطة تحول مفصلية بقيام الدولة السعودية الأولى على يد محمد بن سعود، واتخذت الدرعية عاصمة لها. مثل هذا الحدث بداية مرحلة توسع سياسي امتد تأثيرها إلى مناطق واسعة من شبه الجزيرة العربية.

تميزت الدولة السعودية الأولى بعدد من السمات التي تهم المواطن السعودي اليوم عند قراءة التاريخ:

ترسيخ الأمن الداخلي

ضبط الموارد المالية وتحقيق التوازن في الموازنة

تنظيم القضاء

تشجيع التعليم والتأليف

تحولت الدرعية في تلك الفترة إلى عاصمة لدولة مترامية الأطراف، ومركز جذب اقتصادي واجتماعي، كما شهدت حركة علمية نشطة ساهمت في بروز مدرسة مميزة في الخط والنسخ.

معالم الدرعية التاريخية وإرثها العالمي

تحتضن الدرعية عددًا من المعالم التي تعكس مكانتها الحضارية، من أبرزها حي الطريف، الذي يعد من أكبر الأحياء الطينية في العالم، وقد سُجل في قائمة التراث العالمي لدى UNESCO، ما يعكس الاعتراف الدولي بقيمته التاريخية.

كما تضم الدرعية حي غصيبة ومنطقة سمحان ومنطقة البجيري، إضافة إلى وادي حنيفة الذي شكل رئة بيئية واقتصادية للمدينة عبر العصور.

اليوم تمثل هذه المواقع عنصر جذب سياحي واستثماري مهم، وتندرج ضمن مشاريع تطوير كبرى تدعم مستهدفات رؤية 2030 في تنويع الاقتصاد وتعزيز السياحة الثقافية.

الدولة السعودية الثانية واستعادة الاستقرار

بعد انتهاء الدولة السعودية الأولى، تمكن تركي بن عبدالله بن محمد آل سعود من تأسيس الدولة السعودية الثانية عام 1824م، واتخذ من الرياض عاصمة لها.

تميزت هذه المرحلة بإعادة توحيد معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية، واستعادة الأمن بعد سنوات من الاضطراب السياسي. واستمرت الدولة حتى عام 1891م، محافظة على النهج القائم على العدل والقضاء على الفرقة.

استرداد الرياض وبداية مسيرة التوحيد

في الخامس من شوال عام 1319هـ الموافق 15 يناير 1902م، نجح الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود في استرداد مدينة الرياض، ليبدأ فصل جديد من تاريخ الدولة السعودية.

استمرت مسيرة التوحيد ثلاثين عامًا من العمل السياسي والعسكري والإداري، حتى أعلن الملك عبدالعزيز في 23 سبتمبر 1932م قيام المملكة العربية السعودية كدولة موحدة تحت راية التوحيد.

يمثل هذا التاريخ مناسبة وطنية يحتفل بها المواطنون سنويًا في اليوم الوطني السعودي، تأكيدًا لمعاني الوحدة والاستقرار.

استمرار البناء في عهد الملوك

واصل أبناء الملك عبدالعزيز مسيرة التنمية، فشهدت المملكة توسعًا في التعليم والصحة والبنية التحتية، إضافة إلى تطوير قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات.

وفي عهد سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، دخلت المملكة مرحلة تحول نوعي غير مسبوق.

رؤية السعودية 2030 امتداد لمسيرة التأسيس

أُطلقت رؤية السعودية 2030 كمشروع وطني شامل يهدف إلى تنويع الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار، وتمكين الشباب، وتطوير السياحة والثقافة.

الدرعية اليوم تمثل أحد أهم مشاريع الرؤية، حيث يجري تطويرها لتكون وجهة عالمية تعكس العمق التاريخي والهوية الوطنية، وتوفر فرصًا اقتصادية واستثمارية للمواطنين.

البعد الاقتصادي لتاريخ الدرعية

منذ نشأتها كانت الدرعية مركزًا تجاريًا مهمًا، مستفيدة من موقعها بين طرق التجارة. ومع قيام الدولة السعودية الأولى، ظهر نظام مالي متوازن يراعي الموارد والمصروفات.

هذا الإرث المالي والإداري يمثل اليوم مرجعية لفهم السياسات الاقتصادية الحديثة التي تسعى إلى تحقيق الاستدامة المالية وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن الاعتماد الأحادي على النفط.

ماذا يعني هذا التاريخ للمواطن السعودي؟

يعني هذا التاريخ أن:

الأمن والاستقرار نتاج مسيرة طويلة من الكفاح

الوحدة الوطنية كانت هدفًا استراتيجيًا عبر القرون

التنمية الحالية امتداد طبيعي لمسار تاريخي متصل

المشاركة في تحقيق مستهدفات رؤية 2030 مسؤولية وطنية مشتركة

خاتمة: الدرعية من الماضي إلى المستقبل

من حجر اليمامة إلى تأسيس الدرعية، ومن قيام الدولة السعودية الأولى والثانية، إلى إعلان توحيد المملكة العربية السعودية، وصولًا إلى رؤية 2030… تتشكل أمامنا قصة وطن استطاع تحويل التحديات إلى فرص، والانقسام إلى وحدة، والتاريخ إلى قوة ناعمة واقتصادية عالمية.

الدرعية ليست مجرد موقع أثري، بل هي رمز البدايات، وجذر الدولة، وعنوان المستقبل.

"الدرعية" ترسي عقد تطوير دار الأوبرا الملكية

اقرأ أيضا