تُعدّ رؤية الأهلة في المملكة العربية السعودية من أهم الشعائر المرتبطة بتنظيم التقويم الهجري وتحديد بدايات الأشهر القمرية، وعلى رأسها شهر رمضان المبارك وعيدا الفطر والأضحى. وتقوم هذه العملية على منظومة دقيقة تجمع بين الضوابط الشرعية والإجراءات القضائية والاعتبارات العلمية والفلكية، تحت إشراف الجهات الرسمية المختصة، وفي مقدمتها المحكمة العليا، وبالتنسيق مع وزارة العدل ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية.
في هذا التقرير نرصد في صحيفة الاقتصاد السعودي آلية تحري الهلال في المملكة، وأهم المراصد الفلكية السعودية، والتطور التقني في عمليات الرصد، ودور الجهات العلمية والقضائية في ضمان موثوقية إعلان دخول الأشهر الهجرية.
ما هي رؤية الأهلة ولماذا تحظى بأهمية خاصة في السعودية؟
رؤية الأهلة هي عملية تحري ورصد دخول الأشهر الهجرية وفق السنة القمرية، وذلك بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من كل شهر قمري. وتكتسب هذه العملية أهمية مضاعفة في المملكة لارتباطها بتنظيم العبادات الكبرى، مثل الصيام والحج، إلى جانب مكانة المملكة الدينية باعتبارها مهبط الوحي وموطن الحرمين الشريفين.
وتعتمد المملكة في إثبات دخول الشهر الهجري على الرؤية البصرية للهلال، سواء بالعين المجردة أو باستخدام المناظير والأجهزة الحديثة، وفق ضوابط شرعية وقضائية تضمن أعلى درجات الدقة والمصداقية.
آلية ترائي الأهلة في المملكة العربية السعودية
أولًا: الدور القضائي للمحكمة العليا
تتولى المحكمة العليا الإشراف العام على عملية تحري الهلال وإعلان ثبوت دخول الأشهر الهجرية. وتقوم المحكمة بندب عدد من القضاة إلى مواقع الترائي في مختلف مناطق المملكة، للإشراف على استقبال شهادات المترائين والتحقق منها وفق الإجراءات النظامية.
وتشمل الضمانات المعتمدة:
التحقق من هوية المترائي.
إخضاعه لاختبار طبي لقياس حدة النظر.
دراسة شهادته ومقارنتها بالمعطيات الفلكية.
عرض أوراقه على اللجنة الإشرافية الدائمة لرصد الأهلة في وزارة العدل.
ويُعد هذا الإطار المؤسسي أحد أبرز عناصر موثوقية إعلان رؤية الهلال في المملكة.
ثانيًا: المعيار الطبي لفحص حدة النظر
من الضمانات المهمة التي تعتمدها المملكة في تحري الهلال، إخضاع المترائين لاختبارات طبية دقيقة لفحص قوة البصر وحدة النظر. وتُجرى هذه الاختبارات قبل اعتماد الشخص ضمن قوائم المترائين الرسميين، حيث يخضع لتجربة طويلة وإجراءات تقييم دقيقة.
ويهدف هذا الإجراء إلى:
التأكد من القدرة الفعلية على رؤية الهلال.
الحد من الأخطاء الناتجة عن ضعف الإبصار.
تعزيز مصداقية الشهادة أمام الجهات القضائية.
ثالثًا: دور المراصد الفلكية في دعم الترائي
إلى جانب الرؤية البصرية، تستعين الجهات المختصة في المملكة بالمراصد الفلكية المنتشرة في عدد من المناطق الجغرافية المختارة بعناية، بما يحقق أفضل ظروف للرصد.
وتُشرف مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية على عدد من المراصد، وتنسق مع الجهات القضائية لتوفير البيانات الفلكية اللازمة.
أول مرصد فلكي في المملكة
شهدت المملكة إنشاء أول مرصد فلكي في مكة المكرمة عام 1948م، على جبل أبي قبيس، في عهد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – ليكون بداية لمرحلة علمية جديدة في مجال الرصد الفلكي.
وقد انتقل هذا المرصد لاحقًا إلى برج الساعة في مكة المكرمة، ضمن مشروع تطوير المنطقة المركزية المحيطة بالحرم.
أبرز المراصد الفلكية في السعودية
1. مرصد المدينة العالمي (1957)
تم إنشاء مرصد المدينة العالمي عام 1957، ويُعد من أقدم المراصد الفلكية في المملكة، ومن أهم المواقع المعتمدة لتحري هلال رمضان وعيدي الفطر والأضحى في المدينة المنورة.
2. مرصد جامعة الملك عبدالعزيز (1975)
أنشئ مرصد جامعة الملك عبدالعزيز عام 1975 كجزء من مرافق الجامعة، واهتم بتقديم برامج بحثية وتعليمية في مجال الفلك وعلوم الفضاء، إلى جانب دوره في دعم أنشطة تحري الأهلة.
3. مرصد جامعة الملك سعود (1984)
أسست الجامعة مرصدًا فلكيًا عام 1984 لتعزيز البحث العلمي في علوم الفضاء، والمشاركة في عمليات الرصد الفلكي، بما في ذلك رصد الأهلة.
4. مرصد الملك فهد للفلك في العلا (1985)
أُنشئ مرصد الملك فهد للفلك عام 1985 في محافظة العلا، وساهم في دعم الدراسات الفلكية، ورصد الظواهر السماوية، إضافة إلى تحري الهلال في المواسم الشرعية.
5. مرصد البيروني (1990)
أنشأت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية مرصد البيروني عام 1990 على إحدى القمم الجبلية غرب مكة المكرمة، وسُمّي نسبة إلى العالم المسلم أبي الريحان محمد بن أحمد البيروني، الذي عُرف بإسهاماته البارزة في الفلك والجغرافيا.
ويُعد المرصد من أهم المراكز المتخصصة في الرصد الفلكي بالمملكة.
6. مركز خادم الحرمين الشريفين للأهلة وعلوم الفلك (2003)
في عام 2003، أطلقت المملكة مركز خادم الحرمين الشريفين للأهلة وعلوم الفلك، الواقع في أعلى برج ساعة مكة المكرمة، والذي يُعد أكبر شبكة مناظير فلكية في العالم لرصد الأهلة في 7 دول.
ويمثل المركز نقلة نوعية في توظيف التقنية الحديثة في خدمة الرؤية الشرعية.
مواقع الترائي المعتمدة في المملكة
تنتشر مواقع تحري الهلال في عدد من المناطق، من أبرزها:
سدير
تمير
الرياض
المدينة المنورة
القصيم
الظهران
شقراء
حائل
تبوك
ويتم اختيار هذه المواقع وفق معايير جغرافية ومناخية تضمن صفاء الأفق وانخفاض التلوث الضوئي، ما يعزز فرص رؤية الهلال بدقة.
معايير اختيار مواقع الترائي
تعتمد الجهات المختصة في المملكة على عدة معايير لاختيار مواقع رصد الهلال، من أهمها:
ارتفاع الموقع عن سطح البحر.
صفاء الأفق الغربي.
انخفاض نسبة الرطوبة والغبار.
قلة التلوث الضوئي.
سهولة الوصول للموقع.
ويتم الترائي بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من الشهر القمري، فإذا شوهد الهلال – ولو لدقيقة واحدة – يُعد الشهر 29 يومًا، وتكون تلك الليلة بداية الشهر الجديد.
التطور التقني في رصد الأهلة
شهدت عملية رصد الهلال في المملكة تطورًا تقنيًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة، حيث بات الفلكيون يعتمدون على الحاسب الآلي والبرمجيات المتخصصة لتحديد:
مواعيد شروق وغروب الشمس والقمر.
زاوية الاستطالة بين الشمس والقمر.
شدة إضاءة الهلال.
ارتفاع الهلال فوق الأفق.
مسار الهلال في السماء.
الإحداثيات السماوية الدقيقة.
وتُستخدم هذه البيانات لدعم القرار القضائي، دون أن تحل محل الرؤية الشرعية المباشرة.
التكامل بين الشريعة والعلم في السعودية
تمثل تجربة المملكة في رؤية الأهلة نموذجًا فريدًا يجمع بين الالتزام بالنصوص الشرعية والاستفادة من التطور العلمي. فالرؤية البصرية هي الأساس المعتمد شرعًا، بينما تُستخدم الحسابات الفلكية والمراصد المتقدمة كوسائل مساندة تعزز الدقة والموثوقية.
ويعكس هذا التكامل حرص المملكة على:
توحيد المرجعية في إعلان دخول الأشهر.
منع الاضطراب أو التضارب في المواعيد.
ضمان أعلى درجات الانضباط المؤسسي.
رؤية الأهلة ودورها في توحيد الأمة
لا تقتصر أهمية رؤية الهلال على الجانب الإداري أو الزمني، بل تمتد إلى بعدها الروحي والاجتماعي، إذ تُعلن المملكة من خلال المحكمة العليا دخول شهر رمضان أو حلول العيد، فيتفاعل المجتمع بأكمله مع الحدث في مشهد إيماني جامع.
ويمثل إعلان ثبوت رؤية الهلال لحظة ينتظرها المسلمون داخل المملكة وخارجها، لما للمملكة من مكانة دينية مؤثرة في العالم الإسلامي.
تُجسد منظومة رؤية الأهلة في المملكة العربية السعودية نموذجًا متقدمًا يجمع بين:
الضبط القضائي عبر المحكمة العليا
الإشراف الإداري عبر وزارة العدل
الدعم العلمي والتقني عبر مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية
الانتشار الجغرافي للمراصد المتخصصة
وبفضل هذا التكامل المؤسسي والتقني، أصبحت عملية تحري هلال رمضان والأشهر الهجرية في المملكة من أكثر التجارب انضباطًا وموثوقية على مستوى العالم الإسلامي، مع الحفاظ على الأساس الشرعي للرؤية، وتوظيف أحدث ما توصل إليه العلم في خدمة الشعائر الإسلامية وتنظيم الحياة الدينية.