تكشف خريطة الطاقة في الشرق الأوسط عن مفارقة لافتة؛ فبرغم القرب الجغرافي بين دول الخليج العربي وبلاد المشرق، وتكامل الموارد والاحتياجات بينهما، لم يُنشأ حتى الآن أي خط أنابيب غاز مباشر يربط المنطقتين بشكل متكامل.
وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود، طُرحت عشرات المقترحات والمشروعات الطموحة، إلا أن أياً منها لم يتحول إلى واقع فعلي. ولم تكن العقبة تقنية أو مالية بقدر ما كانت سياسية بالدرجة الأولى، إذ تسببت الصراعات الإقليمية، وعدم الاستقرار، وتبدّل التحالفات، في تعطيل مشروعات كان من شأنها إعادة رسم خريطة الطاقة في المنطقة.
ومع الحديث عن مرحلة تهدئة سياسية محتملة أو 'سلام نسبي' في الشرق الأوسط، تعود مشروعات خطوط أنابيب الغاز القديمة إلى الواجهة، باعتبارها أدوات استراتيجية قادرة على تحقيق التكامل الإقليمي وتعزيز أمن الطاقة.
لماذا لم يُنشأ خط مباشر بين الخليج والمشرق؟
رغم وجود احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي في دول الخليج، وحاجة متزايدة للطاقة في دول المشرق، لم تنجح أي مبادرة في إنشاء شبكة ربط مباشرة واسعة النطاق بين الجانبين.
وتشير ورقة بحثية بعنوان 'روابط الطاقة بين الخليج والمشرق: الوضع الراهن والآفاق المستقبلية'، أعدها الخبير الدولي في اقتصادات الطاقة الدكتور ناجي أبي عاد، إلى أن معظم المشروعات وُلدت في سياقات سياسية مضطربة، ما أدى إلى تجميدها أو إلغائها.
أبرز أسباب التعثر:
النزاعات المسلحة والحروب الإقليمية.
العقوبات الاقتصادية.
الخلافات السياسية بين الدول المعنية.
تقلب أولويات التحالفات الدولية.
غياب إطار تنظيمي إقليمي موحد لسوق الغاز.
خطوط أنابيب الغاز داخل الخليج: تجارب محدودة
رغم غياب الربط الشامل، شهد الخليج بعض المشروعات المحدودة داخل نطاقه الجغرافي.
1- خط الرميلة – الشعيبة (1986)
ربط حقل الرميلة الجنوبي في العراق بمدينة الشعيبة الصناعية في الكويت.
أُنشئ عام 1986.
توقف لاحقًا بسبب النزاعات بين البلدين.
2- خط أنابيب دولفين (2007)
بدأ تشغيله عام 2007.
ينقل الغاز القطري إلى الإمارات وسلطنة عمان.
يُعد أحد أنجح نماذج التعاون الخليجي في مجال الغاز.
ورغم أهمية هذه الخطوط، فإنها تظل محدودة جغرافيًا، ولا ترقى إلى إنشاء سوق إقليمية متكاملة.
خطوط الغاز في المشرق العربي
شهد المشرق بدوره محاولات لربط الدول عبر الغاز الطبيعي، لكنها واجهت تحديات متعددة.
خط الغاز بين مصر وإسرائيل
أُنشئ في البداية لتصدير الغاز المصري.
لاحقًا عُكس اتجاهه لتوريد الغاز الإسرائيلي إلى مصر.
يعكس مرونة البنية التحتية القائمة.
خط الغاز العربي (2003)
ربط مصر بالأردن ثم سوريا ولبنان.
كان مخططًا تمديده إلى تركيا وأوروبا.
واجه نقصًا في الإمدادات المصرية وتحديات أمنية.
حلول حديثة لتغذية سوريا بالغاز
في ظل أزمة الكهرباء في سوريا، ظهرت حلول بديلة تعتمد على البنية التحتية القائمة:
مارس 2025: بدء مشروع لتوجيه الغاز المسال القطري إلى محطة إعادة التغويز في العقبة بالأردن.
ضخ الغاز عبر خطوط قائمة إلى الشبكة السورية.
استهداف توفير نحو 2 مليون متر مكعب يوميًا لمحطة دير علي جنوب دمشق.
إنتاج نحو 400 ميغاواط من الكهرباء.
كما وافقت أذربيجان في يوليو 2025 على تصدير ملياري متر مكعب سنويًا إلى سوريا عبر تركيا، وبدأ التدفق فعليًا بطاقة 1.2 مليار متر مكعب سنويًا بسبب قيود البنية التحتية.
قطر لاعب محوري في مشروعات الربط الإقليمي
تملك قطر أحد أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم، ما جعلها محورًا رئيسًا في معظم مقترحات خطوط الأنابيب.
مشروع خط قطر – تركيا
طُرح بمسارين:
عبر السعودية والأردن وسوريا.
عبر السعودية والكويت والعراق.
ظل المشروع معلقًا لسنوات، لكن التطورات السياسية الأخيرة أعادت النقاش حوله، خصوصًا مع ربط تنفيذه بتحقيق الاستقرار ووحدة الأراضي السورية.
مشروع خط قطر – مصر
اقتُرح مد خط يمر عبر السعودية وخليج العقبة لتلبية الطلب المصري المتزايد على الغاز.
ويشمل:
تطوير محطات الإسالة المصرية.
إمكانية الربط بمنشآت تصدير ليبية.
احتمال التوسع نحو أوروبا عبر خط ترانس ميد الجزائري.
شبكة غاز الخليج – الشام في التسعينيات
في أوائل التسعينيات، طُرحت خطة لإنشاء شبكة رئيسة بطول 1680 كيلومترًا وسعة 20 مليار متر مكعب سنويًا.
مساهمة قطر: 60%.
مساهمة أبوظبي: 40%.
التكلفة المقدرة عام 1995: 2.6 مليار دولار.
الطول الإجمالي: نحو 3 آلاف كيلومتر.
أُجمد المشروع بسبب حرب الخليج الثانية.
شبكة غاز الشرق الأوسط (1992)
طُرحت بدعم من:
شركة تشيودا اليابانية.
منظمة اليونيدو.
شركة إيني الإيطالية.
مواصفات المشروع:
طول 6900 كيلومتر.
تصميم حلقي حول العراق والكويت.
قدرة 28 مليار متر مكعب سنويًا.
تكلفة تقديرية 10 مليارات دولار (1992).
مشروع خط أنابيب "الصداقة" الإيراني
اقترحت إيران عام 2011 خطًا بطول 5600 كيلومتر من حقل بارس الجنوبي إلى البحر المتوسط مرورًا بالعراق وسوريا ولبنان.
استهدف المشروع:
تزويد محطة إسالة على المتوسط.
تصدير الغاز المسال إلى أوروبا.
تعزيز النفوذ الإقليمي في سوق الطاقة.
لكن العقوبات والصراعات حالت دون تنفيذه.
ماذا يعني "السلام النسبي" لمستقبل خطوط الغاز؟
في حال تحقق استقرار سياسي نسبي في الشرق الأوسط، قد تُبعث هذه المشروعات من جديد، مستفيدة من:
البنية التحتية القائمة.
خط الغاز العربي.
محطات الإسالة المصرية.
الطلب الأوروبي المتزايد على تنويع مصادر الغاز.
أهمية الإرادة السياسية والتنسيق الإقليمي
تجارب أوروبا تُظهر أن تجارة الغاز يمكن أن:
توحد الأطر التنظيمية.
تعزز الشفافية.
تدعم تسعيرًا قائمًا على السوق.
تخلق اعتمادًا متبادلًا يقلل النزاعات.
كيف يخدم الربط الإقليمي اقتصادات المنطقة؟
1- تأمين الإمدادات
تنويع مصادر الغاز يقلل مخاطر الانقطاع.
2- خفض التكاليف
خطوط الأنابيب أقل تكلفة من شحن الغاز المسال على المدى الطويل.
3- دعم الصناعة
يوفر الغاز بأسعار مستقرة للقطاعات الصناعية.
4- تعزيز الصادرات
ربط الخليج بالمشرق قد يفتح ممرًا مباشرًا إلى أوروبا.
التحديات المستقبلية
التمويل الضخم المطلوب.
المخاطر الجيوسياسية.
تنافس مشاريع الغاز المسال.
التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة.
التزامات خفض الانبعاثات.
السيناريوهات المحتملة حتى 2030
إحياء تدريجي عبر مشروعات ثنائية صغيرة.
شبكة إقليمية محدودة تعتمد على البنية القائمة.
مشروع شامل إذا تحقق استقرار سياسي واسع.
استمرار الاعتماد على الغاز المسال بدل الأنابيب.
رغم مرور أكثر من 30 عامًا على طرح أولى مشروعات الربط بين الخليج والمشرق، ما تزال خطوط أنابيب الغاز الإقليمية حلمًا مؤجلًا. غير أن التحولات السياسية المحتملة، والطلب المتزايد على الطاقة، والحاجة إلى تنويع الإمدادات، قد تعيد إحياء هذه المشروعات بوصفها ركيزة لإعادة تشكيل خريطة الطاقة في الشرق الأوسط.
وإذا ما توافرت الإرادة السياسية والتنسيق الإقليمي، يمكن لخطوط أنابيب الغاز أن تتحول من مشروعات مؤجلة إلى واقع اقتصادي يعزز التكامل، ويؤمن الإمدادات، ويربط السوق الإقليمية بالأسواق العالمية، خصوصًا أوروبا.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال: هل تنجح المنطقة في تحويل الغاز من أداة صراع إلى جسر للتعاون؟
شركات النفط والغاز
النفط والغاز الطبيعي